فصل: الجزء الثاني من أضواء البيان

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن **


الجزء الثاني من أضواء البيان

تفسير سورة المائدة

{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ‏}

‏.‏ ‏{‏أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ‏}‏ لم يبين هنا ما هذا الذي يتلى عليهم المستثنى من حلية بهيمة الأنعام‏.‏ ولكنه بينه بقوله‏:‏ ‏{‏حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ‏}‏، إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ‏}‏، فالمذكورات في هذه الآية الكريمة كالموقوذة والمتردية، وإن كانت من الأنعام‏.‏ فإنها تحرم بهذه العوارض‏.‏

والتحقيق أن الأنعام هي الأزواج الثمانية، كما قدمنا في سورة آل عمران، وقد استدل ابن عمر، وابن عباس، وغير واحد من العلماء بهذه الآية على إباحة أكل الجنين إذا ذكيتْ أمه ووجد في بطنها ميتًا‏.‏

وجاء عن النَّبي صلى الله عليه وسلم? ‏"‏أن ذكاة أمه ذكاة له‏"‏ كما أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي سعيد‏.‏

وقال الترمذي‏:‏ إنه حسن، ورواه أبو داود عن جابر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ قوله تعالى‏:‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللَّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ‏}‏

‏.‏ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَـادُواْ يعني إن شئتم، فلا يدل هذا الأمر على إيجاب الاصطياد عند الإحلال، ويدل له الاستقراء في القرآن، فإن كل شيء كان جائزًا، ثمَّ حرِّم لموجب، ثم أمر به بعد زوال ذلك الموجب، فإن ذلك الأمر كله في القرآن للجواز نحو قوله هنا‏:‏ ‏{‏وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ‏}‏ ‏.‏

ولا ينقض هذا بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ ‏.‏ فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ لأن قتلهم كان واجبًا قبل تحريمه العارض بسبب الأشهر الأربعة سواء قلنا‏:‏ إنها أشهر الإمهال المذكورة في قوله‏:‏ ‏{‏فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ‏}‏ ، أو قلنا‏:‏ إنها الأشهر الحرم المذكورة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ‏}‏ ‏.‏

وبهذا تعلم أن التحقيق الذي دل عليه الاستقراء التام في القرآن أن الأمر بالشيء بعد تحريمه يدل على رجوعه إلى ما كان عليه قبل التحريم من إباحة أو وجوب، فالصيد قبل الإحرام كان جائزًا فمُنع للإحرام، ثم أُمر به بعد الإحلال بقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ‏}‏ فيرجع لما كان عليه قبل التحريم، وهو الجواز،

وقتل المشركين كان واجبًا قبل دخول الأشهر الحرم، فمنع من أجلها، ثم أمر به بعد انسلاخها في قوله‏:‏ ‏{‏فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ‏}‏، فيرجع لما كان عليه قبل التحريم، وهو الوجوب‏.‏

وهذا هو الحق في هذه المسألة الأصولية‏.‏

قال ابن كثير في تفسير هذه الآية‏:‏ وهذا أمر بعد الحظر، والصحيح الذي يثبت على السبر أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجبًا رده، واجبًا، وإن كان مستحبًا فمستحب، أو مباحًا فمباح‏.‏

ومن قال‏:‏ إنه للوجوب ينتقض عليه بآيات كثيرة‏.‏ ومن قال‏:‏ إنه للإباحة يرد عليه بآيات أخرى، والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه كما اختاره بعض علماء الأصول، والله أعلم، انتهى منه بلفظه‏.‏

وفي هذه المسألة أقوال أخر عقدها في ‏(‏مراقي السعود‏)‏ بقوله‏:‏ والأمر للوجوب بعد الحظر وبعد سؤال قد أتى للأصل

أو يقتضي إباحة للأغلب إذا تعلق بمثل السبب

إلا فذي المذهب والكثير له إلى إيجابه مصير

وقد تقرر في الأصول أن الاستقراء التام حجة بلا خلاف، وغير التام المعروف‏.‏ بـ ‏"‏إلحاق الفرد بالأغلب‏"‏ حجة ظنية، كما عقده في مراقي السعود في كتاب ‏(‏الاستدلال‏)‏ بقوله‏:‏ ومنه الاستقراء بالجزئي على ثبوت الحكم للكلى

فإن يعم غير ذي الشقاق فهو حجة بالاتفاق وهو في البعض إلى الظن انتسب يسمى لحقوق الفرد بالذي غلب فإذا عرفت ذلك، وعرفت أن الاستقراء التام في القرآن دل على ما اخترنا، واختاره ابن كثير، وهو قول الزركشي من أن الأمر بعد الحظر يدل على رجوع الحكم إلى ما كان عليه قبل التحريم، عرفت أن ذلك هو الحق، والعلم عند الله تعالى‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ‏}‏‏.‏

نهى الله المسلمين في هذه الآية الكريمة أن يحملهم بغض الكفار لأجل أن صَدوهم عن المسجد الحرام في عمرة الحديبية أن يعتدُوا على المشركين بما لا يحل لهم شرعًا‏.‏

كما روى ابن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية عن زيد بن أسلم، قال‏:‏ ‏"‏كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحديبية حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتد ذلك عليهم، فمرَّ بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة، فقال أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ نصد هؤلاء كما صدَّنا أصحابُهم، فأنزل الله هذه الآية‏"‏، بلفظه من ابن كثير‏.‏

ويدل لهذا قوله قبل هذا‏:‏ ‏{‏وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ‏}‏، وصرح بمثل هذه الآية في قوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ‏}‏ ، وقد ذكر تعالى في هذه الآية أنهم صدوهم عن المسجد الحرام بالفعل على قراءة الجمهور ‏{‏أن صدوكم‏}‏ بفتح الهمزة، لأن معناها‏:‏ لأجل أن صدوكم، ولم يبين هنا حكمة هذا الصد، ولم يذكر أنهم صدوا معهم الهدي معكوفًا أن يبلغ محله، وذكر في سورة الفتح أنهم صدوا معهم الهدى، وأن الحكمة في ذلك المحافظة على المؤمنين والمؤمنات، الذين لم يتميزوا عن الكفار في ذلك الوقت، بقوله‏:‏ ‏{‏هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا‏}‏‏.‏ وفي هذه الآية دليل صريح على أن الإنسان عليه أن يعامل من عصى الله فيه، بأن يطيع الله فيه‏.‏

وفي الحديث‏:‏ ‏"‏أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك‏"‏‏.‏

وهذا دليل واضح على كمال دين الإسلام، وحسن ما يدعو إليه من مكارم الأخلاق، مبين أنه دين سماوي لا شك فيه‏.‏

وقوله في هذه الآية الكريمة ‏{‏ولا يجرمنكم‏}‏ معناه‏:‏ لا يحملنكم شنآن قوم على أن تعتدوا، ونظيره من كلام العرب قول الشاعر‏:‏ ولقد طعنت أبا عيينة طعنة جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا

أي حملتهم على أن يغضبوا‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ ‏{‏ولا يجرمنكم‏}‏ أي لا يكسبنكم، وعليه فلا تقدير لحرف الجر في قوله‏:‏ ‏{‏أن تعتدوا‏}‏ أي لا يكسبنكم بغضهم الاعتداء عليهم‏.‏

وقرأ بعض السبعة ‏{‏شَنَانُ‏}‏ بسكون النون، ومعنى الشنآن على القراءتين، أي بفتح النون، وبسكونها‏:‏ البغض‏.‏ مصدر ‏"‏شنأه‏"‏ إذا أبغضه‏.‏

وقيل على قراءة سكون النون يكون وصفًا كالغضبان، وعلى قراءة ‏{‏أَن صَدُّوكُمْ‏}‏ بكسر الهمزة‏.‏ فالمعنى إن وقع منهم صدهم لكم عن المسجد الحرام، فلا يحملنكم ذلك على أن تعتدوا عليهم بما لا يحل لكم‏.‏

وإبطال هذه القراءة ـ بأن الآية نزلت بعد صد المشركين النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحديبية، وأنه لا وجه لاشتراط الصد بعد وقوعه ـ مردود من وجهين‏:‏

الأول منهما‏:‏ أن قراءة ‏{‏أن صدوكم‏}‏ بصيغة الشرط قراءة سبعية متواترة لا يمكن ردها، وبها قرأ ابن كثير، وأبو عمرو من السبعة‏.‏

الثاني‏:‏ أنه لا مانع مِن أن يكون معنَى هذه القراءة‏:‏ إن صدوكم مرة أخرى على سبيل الفرض والتقدير، كما تدلُّ عليه صيغة ‏{‏ءانٍ‏}‏، لأنها تدل على الشك في حصول الشرط، فلا يحملنكم تكرر الفعل السيىء على الاعتداء عليهم بما لا يحل لكم، والعلم عند الله تعالى‏.‏

{‏الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ‏}

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ‏}‏‏.‏

ظاهر هذه الآية الكريمة أن المُرتد يحبط جميع عمله بردته من غير شرط زائد، ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن ذلك فيما إذا مات على الكفر، وهو قوله‏:‏ ‏{‏وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ‏}‏ ‏.‏

ومقتضى الأصول حمل هذا المطلق على هذا المقيد، فيقيد إحباط العمل بالموت على الكفر، وهو قول الشافعي ومن وافقه، خلافًا لمالك القائل بإحباط الردة العمل مطلقًا، والعلم عند الله تعالى‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ‏}‏‏.‏

في قوله ‏{‏وَأَرْجُلَكُمْ‏}‏ ثلاث قراآت‏:‏ واحدة شاذة، واثنتان متواترتان‏.‏

أما الشاذة‏:‏ فقراءة الرفع، وهي قراءة الحسن‏.‏ وأما المتواترتان‏:‏ فقراءة النصب، وقراءة الخفض‏.‏

أما النصب‏:‏ فهو قراءة نافع‏.‏ وابن عامر، والكسائي، وعاصم في رواية حفص من السبعة، ويعقوب من الثلاثة‏.‏

وأما الجر‏:‏ فهو قراءة ابن كثير، وحمزة، وأبي عمرو، وعاصم، في رواية أبي بكر‏.‏

أما قراءة النصب‏:‏ فلا إشكال فيها لأن الأرجل فيها معطوفة على الوجوه، وتقرير المعنى عليها‏:‏ ‏{‏فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ‏}‏ ‏.‏

وإنما أدخل مسح الرأس بين المغسولات محافظة على الترتيب، لأن الرأس يمسح بين المغسولات، ومن هنا أخذ جماعة من العلماء وجوب الترتيب في أعضاء الوضوء حسبما في الآية الكريمة‏.‏

وأما على قراءة الجر‏:‏ ففي الآية الكريمة إجمال، وهو أنها يفهم منها الاكتفاء بمسح الرجلين في الوضوء عن الغسل كالرأس، وهو خلاف الواقع للأحاديث الصحيحة الصريحة في وجوب غسل الرجلين في الوضوء والتوعد بالنار لمن ترك ذلك، كقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ويل للأعقاب من النار‏"‏‏.‏

اعلم أولًا أن القراءتين إذا ظهر تعارضهما في آية واحدة لهما حكم الآيتين، كما هو معروف عند العلماء، وإذا علمت ذلك فاعلم أن قراءة ‏{‏وَأَرْجُلَكُمْ‏}‏ بالنصب صريح في وجوب غسل الرجلين في الوضوء، فهي تفهم أن قراءة الخفض إنما هي لمجاورة المخفوض مع أنها في الأصل منصوبة بدليل قراءة النصب، والعرب تخفض الكلمة لمجاورتها للمخفوض، مع أن إعرابها النصب، أو الرفع‏.‏

وما ذكره بعضهم من أن الخفض بالمجاورة معدود من اللحن الذي يتحمل لضرورة الشعر خاصة، وأنه غير مسموع في العطف، وأنه لم يجز إلا عند أمن اللبس، فهو مردود بأن أئمة اللغة العربية صرحوا بجوازه‏.‏

وممن صرح به الأخفش، وأبو البقاء، وغير واحد‏.‏

ولم ينكره إلا الزجاج، وإنكاره له ـ مع ثبوته في كلام العرب، وفي القرآن العظيم ـ يدل على أنه لم يتتبع المسألة تتبعًا كافيًا‏.‏

والتحقيق‏:‏ أن الخفض بالمجاورة أسلوب من أساليب اللغة العربية، وأنه جاء في القرآن لأنه بلسان عربي مبين‏.‏

فمنه في النعت قول امرىء القيس‏:‏ كأن ثبيرا في عرانين ودقه كبير أناس في بجاد مزمل بخفض ‏"‏مزمل‏"‏ بالمجاورة، مع أنه نعت ‏"‏كبير‏"‏ المرفوع بأنه خبر ‏"‏كأن‏"‏ وقول ذي الرمة‏:‏ تريك سنة وجه غير مقرفة ملساء ليس بها خال ولا ندب

إذ الرواية بخفض ‏"‏غير‏"‏، كما قاله غير واحد للمجاورة، مع أنه نعت ‏"‏سنة‏"‏ المنصوب بالمفعولية‏.‏

ومنه في العطف قول النابغة‏:‏ لم يبق إلا أسير غير منفلت وموثق في حبال القد مجنوب بخفض ‏"‏موثق‏"‏ لمجاورته المخفوض، مع أنه معطوف على ‏"‏أسير‏"‏ المرفوع بالفاعلية‏.‏

وقول امرىء القيس‏:‏ وظل طهاة اللحم ما بين منضج صفيف شواءٍ أو قدير معجل

بجر ‏"‏قدير‏"‏ لمجاورته للمخفوض، مع أنه عطف على ‏"‏صفيف‏"‏ المنصوب بأنه مفعول اسم الفاعل الذي هو ‏"‏منضج‏"‏ والصفيف‏:‏ فعيل بمعنى مفعول وهو المصفوف من اللحم على الجمر لينشوي، والقدير‏:‏ كذلك فعيل بمعنى مفعول، وهو المجعول في القدر من اللحم لينضج بالطبخ‏.‏

وهذا الإعراب الذي ذكرناه هو الحق، لأن الإنضاج واقع على كل من الصفيف والقدير، فما زعمه ‏"‏الصبان‏"‏ في حاشيته على ‏"‏الأشموني‏"‏ من أن قوله ‏"‏أو قدير‏"‏ معطوف على ‏"‏منضج‏"‏ بتقدير المضاف أي وطابخ قدير الخ ظاهر السقوط، لأن المنضج شامل لشاوي الصفيف، وطابخ القدير‏.‏

فلا حاجة إلى عطف الطابخ على المنضج لشموله له، ولا داعي لتقدير ‏"‏طابخ‏"‏ محذوف‏.‏

وما ذكره العيني من أنه معطوف على ‏"‏شواء‏"‏، فهو ظاهر السقوط أيضًا‏.‏ وقد رده عليه ‏"‏الصبان‏"‏، لأن المعنى يصير بذلك‏:‏ وصفيف قدير، والقدير لا يكون صفيفًا‏.‏

والتحقيق‏:‏ هو ما ذكرنا من الخفض بالمجاورة، وبه جزم ابن قدامة في المغني‏.‏

ومن الخفض بالمجاورة في العطف قول زهير‏:‏ لعب الزمان بها وغيرها بعدي سوافي المور والقطر

بجر ‏"‏القطر‏"‏ لمجاورته للمخفوض مع أنه معطوف على ‏"‏سوافي‏"‏ المرفوع، بأنه فاعل غير‏.‏

ومنه في التوكيد قول الشاعر‏:‏ يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب

بجر ‏"‏كلهم‏"‏ على ما حكاه الفراء، لمجاورة المخفوض، مع أنه توكيد ‏"‏ذوي‏"‏ المنصوب بالمفعولية‏.‏

ومن أمثلته في القرآن العظيم في العطف ـ كالآية التي نحن بصددها ـ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ‏}‏، على قراءة حمزة، والكسائي‏.‏

ورواية المفضل عن عاصم بالجر لمجاورته لأكواب وأباريق، إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ‏}‏ مع أن قوله‏:‏ ‏{‏وَحُورٌ عِينٌ‏}‏ حكمه الرفع‏:‏ فقيل، إنه معطوف على فاعل ‏"‏يطوف‏"‏ الذي هو ‏{‏وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ‏}‏ ‏.‏

وقيل‏:‏ هو مرفوع على أنه مبتدأ خبره محذوف دل المقام عليه‏.‏

أي‏:‏ وفيها حور عين، أو لهم حور عين‏.‏

وإذن فهو من العطف بحسب المعنى‏.‏

وقد أنشد سيبويه للعطف على المعنى قول الشماخ، أو ذي الرمة‏:‏ بادت وغير آيهن مع البلا إلا رواكد جمرهن هباء

ومشجَّج أما سواء قذاله فبدا وغيب ساره المعزاء

لأن الرواية بنصب ‏"‏رواكد‏"‏ على الاستثناء، ورفع مشجج عطفًا عليه، لأن المعنى لم يبق منها إلا رواكد ومشجج، ومراده بالرواكد أثافي القدر، وبالمشجج وتد الخباء، وبه تعلم أن وجه الخفض في قراءة حمزة، والكسائي هو المجاورة للمخفوض، كما ذكرنا خلافًا لمن قال في قراءة الجر‏:‏ إن العطف على أكواب، أي يطاف عليهم بأكواب، وبحور عين، ولمن قال‏:‏ إنه معطوف على جنات النعيم، أي هم في جنات النعيم، وفي حورٍ على تقدير حذف مضاف أي في معاشرة حور‏.‏

ولا يخفى ما في هذين الوجهين، لأن الأول يرد، بأن الحور العين لا يطاف بهن مع الشراب، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ‏}‏ ‏.‏

والثاني فيه أن كونهم في جنات النعيم، وفي حور ظاهر السقوط كما ترى، وتقدير ما لا دليل عليه لا وجه له‏.‏

وأجيب عن الأول بجوابين، الأول‏:‏ أن العطف فيه بحسب المعنى، لأن المعنى‏:‏ يتنعمون بأكواب وفاكهة ولحم وحور‏.‏ قاله الزجاج وغيره‏.‏

الجواب الثاني‏:‏ أن الحور قسمان‏:‏ 1‏:‏ ـ حور مقصورات في الخيام، ‏:‏ ـ وحور يطاف بهن عليهم، قاله الفخر الرازي وغيره، وهو تقسيم لا دليل عليه، ولا يعرف من صفات الحور العين كونهن يطاف بهن كالشراب، فأظهرها الخفض بالمجاورة، كما ذكرنا‏.‏

وكلام الفراء وقطرب، يدل عليه، وما رد به القول بالعطف على أكواب من كون الحور لا يطاف بهن يرد به القول بالعطف على ‏{‏ولدان مخلدون‏}‏ ، في قراءة الرفع، لأنه يقتضي أن الحور يطفن عليهم كالولدان، والقصر في الخيام ينافي ذلك‏.‏

وممن جزم بأن خفض ‏{‏وأرجلكم‏}‏ لمجاورة المخفوض البيهقي في ‏(‏السنن الكبرى‏)‏، فإنه قال ما نصه‏:‏ باب قراءة من قرأ ‏{‏وَأَرْجُلَكُمْ‏}‏ نصبًا، وأن الأمر رجع إلى الغسل وأن من قرأها خفضًا، فإنما هو للمجاورة، ثم ساق أسانيده إلى ابن عباس، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وعروة بن الزبير، ومجاهد وعطاء والأعرج وعبد الله بن عمرو بن غيلان، ونافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم القارىء، وأبي محمد يعقوب بن إسحاق بن يزيد الحضرمي أنهم قرأوها كلهم‏:‏ ‏{‏وَأَرْجُلَكُمْ‏}‏ بالنصب‏.‏

قال‏:‏ وبلغني عن إبراهيم بن يزيد التيمي أنه كان يقرؤها نصبًا، وعن عبد الله بن عامر اليحصبي، وعن عاصم برواية حفص، وعن أبي بكر بن عياش من رواية الأعشى، وعن الكسائي، كل هؤلاء نصبوها‏.‏

ومن خفضها فإنما هو للمجاورة، قال الأعمش‏:‏ كانوا يقرأونها بالخفض، وكانوا يغسلون، اهـ كلام البيهقي‏.‏

ومن أمثلة الخفض بالمجاورة في القرآن في النعت قوله تعالى ‏{‏عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ‏}‏ بخفض ‏{‏مُحِيطٌ‏}‏ مع أنه نعت للعذاب‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ‏}‏ ، ومما يدل أن النعت للعذاب، وقد خفض للمجاورة، كثرة ورود الألم في القرآن نعتًا للعذاب‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ‏}‏ على قراءة من قرأ بخفض ‏{‏مَّحْفُوظٍ‏}‏ كما قاله القرطبي ومن كلام العرب ‏"‏هذا جحر ضب خرب‏"‏ بخفض خرب لمجاورة المخفوض مع أنه نعت خبر المبتدأ‏.‏ وبهذا تعلم أن دعوى كون الخفض بالمجاورة لحنًا لا يتحمل إلا لضرورة الشعر باطلة، والجواب عما ذكروه من أنه لا يجوز إلا عند أمن اللبس هو أن اللبس هنا يزيله التحديد بالكعبين، إذ لم يرد تحديد الممسوح، وتزيله قراءة النصب، كما ذكرنا‏:‏ فإن قيل قراءة الجر الدالة على مسح الرجلين في الوضوء هي المبينة لقراءة النصب بأن تجعل قراءة النصب عطفًا على المحل‏.‏ لأن الرؤوس مجرورة بالباء في محل نصب على حد قول ابن مالك في الخلاصة‏:‏ وجر ما يتبع ما جر ومن راعى في الاتباع المحل فحسن

وابن مالك وإن كان أورد هذا في ‏"‏إعمال المصدر‏"‏ فحكمه عام، أي وكذلك الفعل والوصف كما أشار له في الوصف بقوله‏:‏ واجرر أو انصب تابعِ الذي انخَفَض كمبتغي جاه وما لا من نهض

فالجواب أن بيان قراءة النصب بقراءة الجر ـ كما ذكر ـ تأباه السنة الصريحة الصحيحة الناطقة بخلافه، وبتوعد مرتكبه بالويل من النار بخلاف بيان قراءة الخفض بقراءة النصب، فهو موافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه قولًا وفعلًا‏.‏

فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما، عن عبد الله ابن عمر ورضي الله عنهما‏.‏

قال‏:‏ تخلَّف عنَّا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرةٍ سافرناها فأدركنا، وقد أرهقتنا الصلاة صلاة العصر ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوتِه‏:‏ ‏"‏أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار‏"‏ وكذلك هو في الصحيحين، عن أبي هريرة رضي الله عنه‏.‏

وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها، أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النَّار‏"‏، وروى البيهقي والحاكم بإسناد صحيح عن عبد الله بن حارث بن جزء، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ويل للأعقاب، وبطون

الأقدام من النار‏"‏‏:‏ وروى الإمام أحمد، وابن ماجه، وابن جرير، عن جابر رضي الله عنه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ويل للأعقاب من النار‏"‏‏.‏

وروى الإمام أحمد عن معيقيب، أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ويل للأعقاب من النار‏"‏ وروى ابن جرير عن أبي أمامة، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ويل للأعقاب من النار‏"‏، قال‏:‏ فما بقي في المسجد شريف ولا وضيع إلا نظرت إليه يقلب عرقوبيه ينظر إليهما‏.‏

وثبت في أحاديث الوضوء عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وعلي وابن عباس ومعاوية وعبد الله بن زيد بن عاصم، والمقداد بن معد يكرب ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل الرجلين في وضوئه، إما مرة أو مرتين أو ثلاثًا‏"‏ على اختلاف رواياتهم‏.‏

وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل قدميه‏"‏‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏"‏هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به‏"‏‏.‏

والأحاديث في الباب كثيرة جدًا، وهي صحيحة صريحة في وجوب غسل الرجلين في الوضوء، وعدم الاجتزاء بمسحهما‏.‏ وقال بعض العلماء‏:‏ المراد بمسح الرجلين غسلهما‏.‏ والعرب تطلق المسح على الغسل أيضًا، وتقول تمسَّحت بمعنى توضأت ومسح المطر الأرض أي غسلها، ومسح الله ما بك أي غسل عنك الذنوب والأذى‏.‏ ولا مانع من كون المراد بالمسح في الأرجل هو الغسل، المراد به في الرأس المسح الذي ليس بغسل، وليس من حمل المشترك على معنييه، ولا عن حمل اللفظ على حقيقته ومجازه، لأنهما مسألتان كل منهما منفردة عن الأخرى مع أن التحقيق جواز حمل المشترك على معنييه، كما حققه الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية ـ رحمه الله ـ في رسالته في علوم القرآن، وحرر أنه هو الصحيح في مذاهب الأئمة الأربعة رحمهم الله، وجمع بن جرير الطبري في تفسيره بين قراءة النصب والجر بأن قراءة النصب يراد بها غسل الرجلين، لأن العطف فيها على الوجوه والأيدي إلى المرافق، وهما من المغسولات بلا نزاع، وأن قراءة الخفض يراد بها المسح مع الغسل، يعني الدلك باليد أو غيرها‏.‏

والظاهر أن حكمة هذا في الرجلين دون غيرهما‏.‏ أن الرجلين هما أقرب أعضاء الإنسان إلى ملابسة الأقذار لمباشرتهما الأرض فناسب ذلك أن يجمع لهما بين الغسل بالماء والمسح أي الدلك باليد ليكون ذلك أبلغ في التنظيف‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ المراد بقراءة الجر‏:‏ المسح، ولكن النَّبي صلى الله عليه وسلم بين أن ذلك المسح لا يكون إلا على الخف‏.‏

وعليه فالآية تشير إلى المسح على الخف في قراءة الخفض، والمسح على الخفين ـ إذا لبسمها طاهرًا ـ متواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يخالف فيه إلا من لا عبرة به، والقول بنسخه بآية المائدة يبطل بحديث جرير أنه بال ثم توضأ، ومسح على خفيه، فقيل له‏:‏ تفعل هكذا‏؟‏ قال‏:‏ نعم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال، ثم توضأ، ومسح على خفيه، قال إبراهيم‏:‏ فكان يعجبهم هذا الحديث، لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة، متفق عليه‏.‏

ويوضح عدم النسخ أن آية المائدة نزلت في غزوة ‏"‏المريسيع‏"‏‏.‏

ولا شك أن إسلام جرير بعد ذلك، مع أن المغيرة بن شعبة روى المسح على الخفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ‏"‏تبوك‏"‏ وهي آخر مغازيه صلى الله عليه وسلم‏.‏

وممن صرح بنزول آية المائدة في غزوة ‏"‏المريسيع‏"‏ ابن حجر في ‏(‏فتح الباري‏)‏، وأشار له البدوي الشنقيطي في ‏(‏نظم المغازي‏)‏ بقوله في غزوة المريسيع‏:‏ والإفك في قفولهم ونقلا أن التيمم بها قد أنزلا

والتيمم في آية المائدة، وأجمع العلماء على جواز المسح على الخف الذي هو من الجلود، واختلفوا فيما كان من غير الجلد إذا كان صفيقًا ساترًا لمحل الفرض، فقال مالك وأصحابه‏:‏

لا يمسح على شيءٍ غير الجلد‏.‏ فاشترطوا في المسح أن يكون الممسوح خفًا من جلود، أو جوربًا مجلدًا ظاهره وباطنه، يعنون ما فوق القدم وما تحتها لا باطنه الذي يلي القدم‏.‏

واحتجوا بأن المسح على الخف رخصة، وأن الرخص لا تتعدى محلها وقالوا‏:‏ إن النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يمسح على غير الجلد‏.‏ فلا يجوز تعديه إلى غيره، وهذا مبني على شطر قاعدة أصولية مختلف فيها، وهي‏:‏ ‏"‏هل يلحق بالرخص ما في معناها، أو يقتصر عليها ولا تعدي محلها‏"‏‏؟‏

ومن فروعها اختلافهم في بيع ‏"‏العرايا‏"‏ من العنب بالزبيب اليابس، هل يجوز إلحاقًا بالرطب بالتمر أو لا‏؟‏‏.‏

وجمهور العلماء منهم الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وأصحابهم على عدم اشتراط الجلد، لأن سبب الترخيص الحاجة إلى ذلك وهي موجودة في المسح على غير الجلد، ولما جاء عن النَّبي صلى الله عليه وسلم من أنه مسح على الجوربين، والموقين‏.‏

قالوا‏.‏ والجورب‏:‏ لفافة الرجل، وهي غير جلد‏.‏

وفي القاموس‏:‏ الجورب لفافة الرجل، وفي اللسان‏:‏ الجورب لفافة الرجل، معرب وهو بالفارسيه ‏"‏كورب‏"‏‏.‏

وأجاب من اشترط الجلد بأن الجورب هو الخف الكبير، كما قاله بعض أهل العلم، أما الجرموق والموق، فالظاهر أنهما من الخفاف‏.‏

وقيل‏:‏ إنهما شيء واحد، وهو الظاهر من كلام أهل اللغة‏.‏ وقيل‏:‏ إنهما متغايران، وفي القاموس‏:‏ الجرموق‏:‏ ـ كعصفور ـ الذي يلبس فوق الخف وفي القاموس أيضًا‏:‏ الموق خف غليظ يلبس فوق الخف، وفي اللسان‏:‏ الجرموق، خف صغير، وقيل‏:‏ خف صغير يلبس فوق الخف، في اللسان أيضًا‏:‏ الموق الذي يلبس فوق الخف، فارسي معرب‏.‏ والموق‏:‏ الخف اهـ‏.‏

قالوا‏:‏ والتساخين‏:‏ الخفاف، فليس في الأحاديث ما يعين أن النَّبي صلى الله عليه وسلم مسح على غير الجلد، والجمهور قالوا‏:‏ نفس الجلد لا أثر له، بل كل خف صفيق ساتر لمحل الفرض يمكن فيه تتابع المشي، يجوز المسح عليه، جلدًا كان أو غيره‏.‏